محمد بن جرير الطبري
594
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
قال : سمعت وهبا قال : لما ارسل الله عز وجل جبرئيل إلى مريم ، تمثل لها بشرا سويا فقالت : « إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا » ، ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم ، واشتملت على عيسى قال : وكان معها ذو قرابه لها يقال له يوسف النجار ، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون ، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم ، وكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد في ذلك الزمان ، وكان لخدمته فضل عظيم ، فرغبا في ذلك ، فكانا يليان معالجته بأنفسهما وتجميره وكناسته وطهوره ، وكل عمل يعمل فيه ، فكان لا يعلم من أهل زمانهما أحد أشد اجتهادا وعباده منهما ، وكان أول من انكر حمل مريم صاحبها يوسف ، فلما رأى الذي بها استعظمه ، وعظم عليه ، وفظع به ، ولم يدر على ما ذا يضع امرها ! فإذا أراد يوسف ان يتهمها ذكر صلاحها وبراءتها ، وانها لم تغب عنه ساعة قط ، وإذا أراد ان يبرئها رأى الذي ظهر بها فلما اشتد عليه ذلك كلمها ، فكان أول كلامه إياها ان قال لها : انه قد وقع في نفسي من امرك امر قد حرصت على أن اميته ، واكتمه في نفسي ، فغلبني ذلك ، فرأيت ان الكلام فيه اشفى لصدرى ، قالت : فقل قولا جميلا ، قال : ما كنت لأقول الا ذلك ، فحدثينى : هل ينبت زرع بغير بذر ؟ قالت : نعم ، قال : فهل تنبت شجره من غير غيث يصيبها ؟ قالت : نعم ، قال : فهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم ، ا لم تعلم أن الله انبت الزرع يوم خلقه من غير بذر ، والبذر انما كان من الزرع الذي انبته الله من غير بذر ! ا ولم تعلم أن الله انبت الشجر من غير غيث ، وانه جعل بتلك القدرة الغيث حياه للشجر بعد ما خلق كل واحد منهما وحده ! أو تقول لم يقدر الله على أن ينبت الشجر ، حتى استعان عليه بالماء ، ولولا ذلك لم يقدر على انباته ! قال لها يوسف : لا أقول ذلك ، ولكني اعلم أن الله بقدرته على ما يشاء يقول لذلك : كن فيكون قالت له مريم : ا ولم تعلم أن الله عز وجل